أحمد بن محمود السيواسي
95
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
وإن كان الاستعمال بال « باء » يقال « 1 » رفثت « 2 » بالمرأة لتضمنه معنى الإفضاء ، قوله ( هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ) استئناف كالبيان لسبب الإحلال ، واللباس اسم كل ما يستر الشيء ، فكأن كل واحد منهما ستر لصاحبه عما لا يحل أو كل واحد منهما كالثوب يشمل على صاحبه بالمخالطة والمعانقة عند النوم ، فيقل منهما الصبر والاجتناب فلذلك رخص في المباشرة ( عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ ) أي تخونون ( أَنْفُسَكُمْ ) وتظلمون بمباشرتهن في غير وقت المباشرة ( فَتابَ عَلَيْكُمْ ) أي تجاوز عنكم إذ تبتم من عملكم الحرام ( وَعَفا عَنْكُمْ ) أي محا ذنوبكم فلم يعاقبكم بفعلكم ( فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ) أي جامعوهن ( وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) أي اطلبوا ما قضى اللّه وحكم لكم في اللوح المحفوظ من الولد لا مجرد قضاء الشهوة أو اطلبوا منهن ما أبيح لكم وأمرتم به ، قوله ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) أي ليالي الصيام ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ ) أي يستبين ويظهر ( لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ) وهو أول ما يظهر من بياض النهار كالخيط الممدود ( مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) وهو ما يمتد من سواد الليل مع بياض النهار ، وشبه بياض النهار وسواد الليل بخيطين ، هما أبيض وأسود لامتدادهما ، نزل رخصة للمسلمين في ذلك ، لأن الحكم كان في ابتداء الإسلام حرمة الأكل والشرب في صيام رمضان بعد النوم إلى الليلة القابلة ، روي عن عدي ابن حاتم أنه قال : أخذت خيطين فجعلت أنظر إليهما فلم يتبين الأسود من الأبيض ما لم يسفر الصبح ، فأتيت رسول اللّه ، فأخبرته بذلك فتبسم فقال : « إنك لعريض القفا إنما هو سواد الليل وبياض النهار » فنزل قوله « 3 » ( مِنَ الْفَجْرِ ) فارتفع الاشتباه وهو بيان للخيط الأبيض من قبيل الاكتفاء به عن بيان « 4 » الخيط الأسود ، ويجوز أن يكون « من » للتبعيض ، لأنه بعض الفجر ، قيل : أكثر العلماء على جواز تأخير البيان بعد ورود المجهول ليستفيد منه المخاطب وجوب الخطاب « 5 » ، ويعزم على فعله إذا استبان له وبعضهم لم يجوز تأخير البيان لما فيه تحيّر العباد في العمل به وهو لا يليق بالحكيم ، وطعن في هذه الرواية وأبطلها قوله ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) أي إلى أوله وهو الغروب ، قيل : فيه دليل على جواز النية بالنهار لرمضان إذ الإتمام بالنية في الصوم وهو في النهار وعلى جواز ترك الغسل إلى طلوع الفجر وعلى نفي الوصال للمخاطبين بالإتمام « 6 » ، قوله ( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ ) أي لا تجامعوهن ( وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ ) أي مقيمون بنية الاعتكاف ( فِي الْمَساجِدِ ) قيل : يجوز الاعتكاف في جميع المساجد لظاهر الآية « 7 » ، وقيل : لا يجوز إلا في مسجد جامع ، والعامة على أنه في مسجد جماعة « 8 » ، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يجوز في غير المسجد ، وشرطه الصوم عند أبي حنيفة رضي اللّه عنه دون الشافعي ، والمعنى : أن الجماع مفسدة للاعتكاف في مدته ليلا ونهارا ، نزل فيمن كان يعتكف في المسجد بعد ترخيص الجماع للمسلمين في ليلة الصيام فإذا عرضت له حاجة إلى امرأته خرج بالليل إليها « 9 » فجامعها ثم اغتسل فرجع إلى المسجد فنهى اللّه عن ذلك فحرم في مدة الاعتكاف ثم قال ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) أي الأحكام المذكورة أو المحرمات موانع اللّه والحد المنع ، ومنه الحديد ، لأنه يمنع ويمتنع به ، ومنه حد الدار ، لأنه يمنع من دخول الغير فيها ، والفاء في جواب الشرط المحذوف في ( فَلا تَقْرَبُوها ) أي أن تنتهوا فلا تقربوا الحدود ، وفيه مبالغة حيث نهى عن قرب الحدود ولم يقل فلا تعتدوها كما قال « 10 » في آية أخرى « 11 » ، لأنه نهي عن قرب الحد الذي هو الحاجز بين طرفي الحق والباطل لئلا يداني الباطل فضلا عن « 12 » أن يتخطاه كما قال عليه السّلام : « إن لكل ملك حمى وحمى اللّه محامرمه فمن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » « 13 » ( كَذلِكَ ) أي مثل ذلك البيان ( يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ ) من
--> ( 1 ) يقال ، ب س : - م . ( 2 ) رفثت ، ب س : رفث ، م . ( 3 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 186 . ( 4 ) بيان ، ب س : بياض ، م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 113 . ( 5 ) لعل المفسر اختصره من الكشاف ، 1 / 113 . ( 6 ) نقله عن الشكاف ، 1 / 113 . ( 7 ) أخذه عن البغوي ، 1 / 230 . ( 8 ) أخذ المؤلف هذا الرأي عن الكشاف ، 1 / 113 - 114 . ( 9 ) إليها ، ب م : - س . ( 10 ) قال ، س م : - ب . ( 11 ) انظر البقرة ( 2 ) ، 229 . ( 12 ) عن ، م : - ب س . ( 13 ) رواه البخاري ، الإيمان ، 39 ؛ ومسلم ، المساقاة ، 107 ؛ والترمذي ، البيوع ، 1 .